أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
48
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فحكيم مثال مبالغة محوّل من فاعل ، فهو كالعليم والخبير والبصير ، أي : المبالغ في هذه الأوصاف ، وإنما عدل عن لفظ « حاكم » إلى « حكيم » مع زيادة المبالغة لموافقة العزيز . ومعنى المبالغة تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع إنّ الدين عند اللّه هو الإسلام ، أو حكم في كلّ شريعة بذلك . وهذا الوجه ذكره الشيخ « 1 » وكأنه من تخريجه ثم قال : « فإن قلت : لم حملت الحكيم على أنه محوّل من فاعل إلى فعيل للمبالغة ، وهلّا جعلته فعيلا : بمعنى مفعل ، فيكون بمعنى محكم ، كما قالوا : أليم بمعنى مؤلم وسميع بمعنى مسمع من قول الشاعر : 1211 - أمن ريحانة الداعي السميع * . . . « 2 » فالجواب أنّا لا نسلّم أنّ فعيلا بمعنى مفعل ، وقد يؤوّل أليم وسميعا على غير مفعل ، ولئن سلّمنا ذلك فهو من النّدور والشذوذ بحيث لا ينقاس ، بخلاف فعيل محوّل من فاعل فإنه كثير خارج عن الحصر كعليم وسميع وقدير وحكيم وخبير وحفيظ ، إلى ألفاظ لا تحصى كثرة . وأيضا فإنّ العربيّ القحّ الباقي على سجيّته لم يفهم عن « حكيم » إلا أنه محوّل من فاعل للمبالغة ، ألا ترى أنه لمّا سمع قارئا يقرأ : « والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور الرحيم » « 3 » أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق : « والله غفور رحيم » فقيل له : التلاوة : « وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » ، فقال : هذا يكون : « عزّ فحكم فقطع » ففهم من حكيم أنه محول للمبالغة السالفة من « حاكم » ، وفهم هذا العربي حجة قاطعة بما قلناه ، وهذا تخريج سهل سائغ جدا ، يزيل تلك التكلفات والتركيبات [ العقدة ] التي ينزّه كتاب اللّه عنها . وأمّا على قراءة ابن عباس فكذلك نقول ، ولا نجعل « إِنَّ الدِّينَ » معمولا ل « شَهِدَ » كما زعموا وأن « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » اعتراض - يعني بين الحال وصاحبها وبين « شَهِدَ » ومعموله ، وسيأتي إيضاح ذلك - بل نقول : معمول « شَهِدَ » هو « إنه » بالكسر على تخريج من خرّج أنّ « شَهِدَ » لمّا كان بمعنى القول كسر ما بعده إجراء له مجرى القول ، أو نقول « إنه » معموله وعلّقت ، ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفيّ ، بخلاف أن لو كان مثبتا فإنك تقول : « شهدت إنّ زيدا لمنطلق » بإنّ مع وجود اللام لأنه لو لم تكن اللام لفتحت « أنّ » فقلت : شهدت أنّ زيدا منطلق ، فمن قرأ بفتح « أَنَّهُ » فإنه لم ينو التعليق ، ومن كسر فإنّه نوى التعليق ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفيّ كما ذكرنا » انتهى . وكان الشيخ - لمّا ذكر الفصل والاعتراض بين كلمات هذه الآية - قال ما نصه « 4 » : « وأما قراءة ابن عباس فخرّج على « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » هو معمول شهد ، ويكون في الكلام اعتراضان : أحدهما : بين المعطوف عليه والمعطوف ، وهو « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . والثاني : بين المعطوف والحال وبين المفعول لشهد وهو : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » وإذا أعربنا « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » خبر مبتدأ محذوف كان ذلك ثلاثة اعتراضات . فانظر إلى هذه التوجيهات البعيدة التي لا يقدر أحد أن يأتي بنظيرهنّ من كلام العرب ، وإنما حمل على ذلك العجمة وعدم الإمعان في تراكيب كلام العرب وحفظ أشعارها ، وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب أنه لن يكفي النحو وحده في علم الفصيح من كلام العرب ، بل لا بدّ من الاطلاع على كلام العرب والتطبّع بطباعها والاستكثار من ذلك » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 409 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 38 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 409 .